فخر الدين الرازي
58
تفسير الرازي
إعمال أحدهما ، والقرب مرجح ، فإعمال الأقرب أولى ، وحجة الكوفيين أنا إذا أعملنا الأقرب وجب إسناد الفعل المتقدم إلى الضمير ، ويلزم حصول الإضمار قبل الذكر ، وذلك أولى بوجوب الاحتراز عنه . القسم الثالث : ما إذا اقتضى الفعلان تأثيرين متناقضين ، وكان الاسم المذكور بعدهما مفرداً ، فيقول البصريون إن إعمال الأقرب أولى ، خلافاً للكوفيين ، حجة البصريين وجوه ؛ الأول : قوله تعالى : * ( آتوني أفرغ عليه قطراً ) * ( الكهف : 96 ) فحصل ههنا فعلان كل واحد منهما يقتضي مفعولاً : فأما أن يكون الناصب لقوله قطراً هو قوله آتوني أو أفرغ ، والأول باطل ، وإلا صار التقدير آتوني قطراً ، وحينئذٍ كان يجب أن يقال أفرغه عليه ، ولما لم يكن كذلك علمنا أن الناصب لقوله قطراً هو قوله أفرغ ؛ الثاني : قوله تعالى : * ( هاؤم اقرؤا كتابيه ) * ( الحاقة : 19 ) فلو كان العامل هو الأبعد لقيل هاؤم اقرؤه ، وأجاب الكوفيون عن هذين الدليلين بأنهما يدلان على جواز أعمال الأقرب ، وذلك لا نزاع فيه ، وإنما النزاع في أنا نجوز أعمال الأبعد ، وأنتم تمنعونه وليس في الآية ما يدل على المنع . الحجة الثالثة : للبصريين أنه يقال : ما جاءني من أحد ، فالفعل رافع ، والحرف جار ، ثم يرجح الجار لأنه هو الأقرب . الحجة الرابعة : أن إهمالهما وإعمالهما لا يجوز ، ولا بدّ من الترجيح ، والقرب مرجح ، فأعمال الأقرب أولى . واحتج الكوفيون بوجوه : الأول : أنا بينا أن الاسم المذكور بعد الفعلين إذا كان مثنى أو مجموعاً فأعمال الثاني يوجب في الأول الإضمار قبل الذكر وأنه لا يجوز ، فوجب القول بأعمال الأول هناك ، فإذا كان الاسم مفرداً وجب أن يكون الأمر كذلك طرداً للباب . الثاني : أن الفعل الأول وجد معمولاً خالياً عن العائق ، لأن الفعل لا بدّ له من مفعول ، والفعل الثاني وجد المعمول بعد أن عمل الأول فيه ، وعمل الأول فيه عائق عن عمل الثاني فيه ومعلوم أن أعمال الخالي عن العائق أولى من أعمال العامل المقرون بالعائق . القسم الرابع : إذا كان الاسم المذكور بعد الفعلين مثنى أو مجموعاً فإن أعملت الفعل الثاني قلت ضربت وضربني الزيدان وضربت وضربني الزيدون ، وإن أعملت الأول قلت ضربت وضرباني الزيدين وضربت وضربوني الزيدين . المسألة الثامنة : قول امرئ القيس : - لو أن ما أسعى لأدنى معيشة * كفاني ولم أطلب قليل من المال ولكنما أسعى لمجد مؤثل * وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي